الشاعر الرجيم
08-03-07, 01:26 AM
غداً يصل "أمير الكاش" فأقول للفقر وداعاً . وداعاً أيها الرفيق المخلص الذي ألحّ في إخلاصه فلم يشأ مفارقتي أبداً . حين يصل الشيخ أمير سآخذه بالحضن , ومن خلال عناقنا الحار سوف نسترجع معاً ذكريات الحب والزمالة وعشرة البؤس والحرمان
وسوف ألقي بين يديه هذه الأبيات :
يا امير أنا وفقري لفينا نتبارى
وابيك تبعدني عن الفقر يا الكاش
جيناك من طقات بقعا حيارى
فقري يبي حلقي وانا حالتي ماش
يا امير انا مليت درب الطفارى
ودي ابيع البيت واهج وانحاش
...
سوف يسألني هل تذكر يا "فتى الجرادية" كذا وكذا فأقول نعم , وكأنّ العشرين عاماً قد انكمشت من عمر الزمن واختزلت في كبسولة الأيام فاستحالت إلى لحظة واحدة .
وسوف أسأله : هل تذكر يا شيخ أمير ؟ .. حين كنت أهمّ بالعبور من طريق المشاة فيوقفني الضوء الأحمر بعد عبورك مباشرة .. حين أقبض أول راتب في حياتي فينشله مني لص .. حين أتزوج فأكتشف أن زوجتي كارثة .. وحين أنجب فهي فتاة تفوق أمها غباءً وصفاقة .
وحين جلستُ أغنّي على العود في أول حفل متواضع أشترك في إحيائه , كنت أحلم بالمئة ريال التي سأتقاضاها فورَ الانتهاء من الحفل . يشاء حظي أن يكون "وحيد الثمامة"
ضمن المدعوين . لم أكن أعلم أن قيامته ستقوم حين سمعني أغني :
" مغربي .. مغربي .. مستضحكاً عند الوداع ... "
قفز من مقعده في تأفف وضجر , وتهجم عليّ أمام الناس قائلاً :
- قم يا هوه ... في شي اسمه مغربي؟
لم أكن أعرف أنها " مرّبي .. مرّبي" . حرف واحد أضفته دون قصد بين حروف الكلمة , أثار غضب "وحيد الثمامة" فأضحك مني الحاضرين وأضاع علي المئة ريال . لكني لن أنسى أبداً أنّ " وحيد الثمامة" كان صاحب الفضل في تعارفي بأمير الكاش منذ ذلك اليوم .
سيقول لي "نعم أذكر يا فتى الجرادية" لن يقول لي يا"أستاذ" فأين أنا الآن منه؟
لكنه حين يعود فسوف يصحبني معه إلى أمريكا . حلمي. حياتي الباقية ومستقبلي المأمول . هكذا وعدني في اتصاله الأخير . سأكون سكرتيراً لأعماله .. أو معقباً رغم أني لا أعتقد أن بأمريكا معقبين .. مساعداً لفرقته أو حتى عازفاً احتياطياً بها .. المهم أن يفي بوعده , ولن أعود إلى" الجرادية" , أبداً لن أعود مهما حاول أحد أن يثنيني عن عزمي .
جلس "أمير الكاش" في ثقة واعتداد تفوح منه رائحة الرفاهية . كان ممسكاً بعوده الفضي المتلأليء . بين أصابعه ريشة مزركشة . يرتدي حلةً متموجة الألوان مزدانة بوردة حمراء على الصدر . إلى جواره جلس "فتى الجرادية" كالتلميذ الوديع شديدَ الانبهار.
حولهما جلست الفرقة الموسيقية تتدرب على عزف أغنية من تأليف وتلحين الشيخ أمير الكاش . الأغنية شعبية . ارتجلها الكاش في لحظة تجلٍ عابرة . تقول الأغنية في أحد مقاطعها :
" تلقى عيونه حمر من شرب الخمر
وطاقيته من فوق راسه مايله
ومن القهر ولّع في قلبه جمر
عزّاه من يروي حمار القايـــله
....
كلام فارغ . طاقية مايلة ... وحمار قايله !! يخلف الله على الفن .
كلمات تافهة يرقص على ألحانها روادّ الملاهي الأمريكية ويصفقون إعجاباً ونشوة . محظوظ أنت يا أمير الكاش , وأنا لا أحسدك أبداً , فالحق يقال إنك أصيل لم تنسني على الأقل باتصالاتك التي لاتنقطع . شقيقي لا يكلف نفسه عناء الاتصال , وإن اتصل فإنما بدافع البحث عن مصلحة أو لقضاء أمر يهمه فيكلفني القيام به .. وفوق هذا يدعي الفقر والإفلاس أمامي دائماً كي لا أفكر ولا مجرد تفكير في أن أطلب منه شيئاً من النقود . أراه هرماً في السبعين وهو لم يتعدّ الأربعين . أما أنت يا" أمير" فمتعك الله بموفور الصحة . خمسون عاماً وأراك شاباً في الثلاثين .
لكن لماذا أصر الفقر على صحبتي وهجرك يا رفيق الشباب ؟ ألسنا من طينة واحدة ؟ هل خلُقنا من ماء مهين وأنت من بيبسي كولا ؟!!
إيه .. إنها مشكلة أزلية معلّقة لاحلَ لها . منذ عشرين عاماً هاجر "أمير الكاش" . هرب فجأة إلى لبنان . لم يحمل معه سوى عوده . تزوج صبية من صبايا بيروت يسميها "ديمي" بعد أن أجاد الانجليزية . يبدو أنها كانت -على عكس زوجتي صيته- وجه السعد وفأل الخير . سافر بها إلى أمريكا واستقر هناك بعد أن كوّن ثروة عظيمة .
أنفق أمير الكاش على الفرقة بسخاء . في النهاية حصل على شريط تسجيلي قال إنه عظيم . أعده ليطبع على أسطوانات وشرائط تدر عليه ربحاً وفيراً . وكان فتى الجرادية قد جمع أفراد الفرقة من مشارق الرياض ومغاربها. حيث أبدى الجميع ترحيبهم بالعمل مع الشيخ أمير . الرجل الذي ينتظره النجاح دائماً . كان فتى الجرادية ينظر إليهم بزهوٍ وكبرياء , فهو الوحيد الذي يجلس بالقرب من الفنان العظيم , وهو الذي جلب لهم خيراً لم يكن في الحسبان . وقبل أن ينصرفوا في اليوم الأخير قبّلوا رأس الشيخ وكتفه الأيسر وتمنوا له التوفيق فأجزل لهم العطاء (وشرّهَ) كلَّ واحد منهم بأكثر مما كانوا يحلمون به . أما "فتى الجرادية" فقد أمضى بقية السهرة في فندق هوليدي إن -لأول مرة وآخر مرة في حياته- حيث كان ينزل الشيخ وزوجته , ثم قصد بيته الكائن في حي الجرادية وهو في قمة السعادة بعد أن اتفقا على كل شيء .
لم أكن قادراً على تصوّر وجودي غداً بالرياض . اليوم آخر عهدي بمدينة الغبار والقرف (الرياض) التي كرهتها , وكرهت نفسي بها . قد أعود إليها يوماً ما لو امتد بي العمر كي (أتبوّل) على ثراها ثم أرجع ثانية إلى بلد الحريّة أمريكا .
في الواحدة صباحاً أكون على باب الفندق . ينتظرني الشيخ وزوجته والحظ الباسم لأول مرة . معه كل أوراقي . نتجه (بالليموزين) إلى المطار . لقد تعهّد أمير الكاش بكل شيء . لم يشأ أن يكلفني عناء إجراءات السفر . قام نيابةً عني بكل شيء . قال لي :
- ماعليك يا صديقي إلا أن تحضر في تمام الساعة الواحدة .
الساعة الآن الثانية عشرة والنصف . غافلني الوقت . سوف ألحق به على أية حال . سددت كلّ ديوني . ما أجمل غبار الرياض وسمومها يملأ صدري من نافذة الليموزين . كم سأفتقده . وداعاً "ياالجرادية" وداعاً أيتها المساكن الشعبية التي طالما تمنيت أن تنشق الأرض لتبتلعك بمن عليك دفعة واحدة . ليكون عاليها سافلها . تركت لهم بالمنزل كل ماتبقى معي من مال فما الداعي للاحتفاظ به ؟
وبينما نحن في الطريق نسير بسرعة الضوء انفجر الإطار وتوقف الليموزين . يارب سترك الذي لايتوقف يارب العالمين . لابد أن أصل في الوقت المحدد . باقي من الزمن ثلث ساعة .. "تفكر في ليموزين آخر ؟؟ من أين ياشيخ صالح كامل ؟ . لكن لامفر . تشجع يا فتى الجرادية وخذ ليموزيناً والحساب على الشيخ أمير أمام الفندق في تمام الساعة الواحدة .
هل يعقل هذا ؟ ألهذه الدرجة يصل بك الاستغلال وقلة الذوق ؟ .. أصل راكضاً ولا أضع نفسي في هذا الموقف .. " ولكن كيف أجري من الجوازات إلى فندق( هوليدي إن ) في ثلث ساعة ؟ " . غير معقول بالطبع .
الواحدة إلا ربع . لامفر . وبسرعة أوقفت ليموزيناً كان يسير على طريق الخدمة واستقليته .
- هوليدي إن من فضلك . بسرعة أرجوك .
وصلنا قبل الموعد بدقيقتين الحمد لله .
- انتظرني هنا قليلاً لو سمحت .
ابتلع جوف الليل أمان اليوم وحلم الغد , وتقاطرت في مخيلته سنوات حياته تصفع السكون المظلم . كاد قلبه يتوقف عن الدق وقد ازداد لهاثه وجحظت عيناه كمن يتطلع إلى روحه في النزع الأخير . وبكل مايملك من إرادة طارد لحظة الأمل الأخيرة كما تطارد الحياة الموت وكما يطارد الموت الحياة . كان يريد أن يخفي هذه اللحظة في كهف عمره المقفر حتى يستأثر بها ولو لمرة واحدة . تقدم إلى الفندق .
- الشيخ أمير .. أمير الكاش .
- غادر الفندق .
كارثة . الموت أرحم . لاشيء يعوّضني عن لقاء الحظ في شمال العالم .
- إلى المطار يا "صديق" .
أيعقل أن تفعلها يا أمير وتنسى أيام كبدة الحاشي والمعصوب في "حلة العبيد" ؟
لايمكن . مستحيل . لابد أنني أهذي .
- إلى الفندق مرة أخرى من فضلك .
والعدّاد يعد .. يعد .. يعد .
-قلنا لك إنه غادر الفندق بصحبة زوجته .
- متى غادره بالضبط ؟
-حوالي الواحدة بعد الظهر .
- بعد الظهر ؟؟؟
- نعم .
- ألم يترك أوراقاً أو رسالةً لأحد ؟
- إطلاقاً .
ساذج أنت يا فتى الجرادية . وخيراً فعلت يا أمير مع صعلوك حقير .
وعاد فتى الجرادية إلى الليموزين متجمد الروح والجسد وقد تحجر كيانه في عينين لاترمشان . لم يكن قادراً على كنه مشاعره في تلك اللحظة , فلاهي بالحزن ولا هي بالفرح , وإنما شيء آخر يجهله تماماً . إحباط وخيبة أمل . قوة خفية جذبته بلاوعي إلى باب الليموزين .
فتحه بهدوء . جلس بآلية على المقعد الخلفي . لم يشعر بالزمن وقد فقد مدلوله تماماً .
قال بلهجة أسطورية :
" إلى الجرادية .. ناحية المساكن الشعبية " .
بقلم الشاعر الرجيم
عبدالعزيز الحميضي
وسوف ألقي بين يديه هذه الأبيات :
يا امير أنا وفقري لفينا نتبارى
وابيك تبعدني عن الفقر يا الكاش
جيناك من طقات بقعا حيارى
فقري يبي حلقي وانا حالتي ماش
يا امير انا مليت درب الطفارى
ودي ابيع البيت واهج وانحاش
...
سوف يسألني هل تذكر يا "فتى الجرادية" كذا وكذا فأقول نعم , وكأنّ العشرين عاماً قد انكمشت من عمر الزمن واختزلت في كبسولة الأيام فاستحالت إلى لحظة واحدة .
وسوف أسأله : هل تذكر يا شيخ أمير ؟ .. حين كنت أهمّ بالعبور من طريق المشاة فيوقفني الضوء الأحمر بعد عبورك مباشرة .. حين أقبض أول راتب في حياتي فينشله مني لص .. حين أتزوج فأكتشف أن زوجتي كارثة .. وحين أنجب فهي فتاة تفوق أمها غباءً وصفاقة .
وحين جلستُ أغنّي على العود في أول حفل متواضع أشترك في إحيائه , كنت أحلم بالمئة ريال التي سأتقاضاها فورَ الانتهاء من الحفل . يشاء حظي أن يكون "وحيد الثمامة"
ضمن المدعوين . لم أكن أعلم أن قيامته ستقوم حين سمعني أغني :
" مغربي .. مغربي .. مستضحكاً عند الوداع ... "
قفز من مقعده في تأفف وضجر , وتهجم عليّ أمام الناس قائلاً :
- قم يا هوه ... في شي اسمه مغربي؟
لم أكن أعرف أنها " مرّبي .. مرّبي" . حرف واحد أضفته دون قصد بين حروف الكلمة , أثار غضب "وحيد الثمامة" فأضحك مني الحاضرين وأضاع علي المئة ريال . لكني لن أنسى أبداً أنّ " وحيد الثمامة" كان صاحب الفضل في تعارفي بأمير الكاش منذ ذلك اليوم .
سيقول لي "نعم أذكر يا فتى الجرادية" لن يقول لي يا"أستاذ" فأين أنا الآن منه؟
لكنه حين يعود فسوف يصحبني معه إلى أمريكا . حلمي. حياتي الباقية ومستقبلي المأمول . هكذا وعدني في اتصاله الأخير . سأكون سكرتيراً لأعماله .. أو معقباً رغم أني لا أعتقد أن بأمريكا معقبين .. مساعداً لفرقته أو حتى عازفاً احتياطياً بها .. المهم أن يفي بوعده , ولن أعود إلى" الجرادية" , أبداً لن أعود مهما حاول أحد أن يثنيني عن عزمي .
جلس "أمير الكاش" في ثقة واعتداد تفوح منه رائحة الرفاهية . كان ممسكاً بعوده الفضي المتلأليء . بين أصابعه ريشة مزركشة . يرتدي حلةً متموجة الألوان مزدانة بوردة حمراء على الصدر . إلى جواره جلس "فتى الجرادية" كالتلميذ الوديع شديدَ الانبهار.
حولهما جلست الفرقة الموسيقية تتدرب على عزف أغنية من تأليف وتلحين الشيخ أمير الكاش . الأغنية شعبية . ارتجلها الكاش في لحظة تجلٍ عابرة . تقول الأغنية في أحد مقاطعها :
" تلقى عيونه حمر من شرب الخمر
وطاقيته من فوق راسه مايله
ومن القهر ولّع في قلبه جمر
عزّاه من يروي حمار القايـــله
....
كلام فارغ . طاقية مايلة ... وحمار قايله !! يخلف الله على الفن .
كلمات تافهة يرقص على ألحانها روادّ الملاهي الأمريكية ويصفقون إعجاباً ونشوة . محظوظ أنت يا أمير الكاش , وأنا لا أحسدك أبداً , فالحق يقال إنك أصيل لم تنسني على الأقل باتصالاتك التي لاتنقطع . شقيقي لا يكلف نفسه عناء الاتصال , وإن اتصل فإنما بدافع البحث عن مصلحة أو لقضاء أمر يهمه فيكلفني القيام به .. وفوق هذا يدعي الفقر والإفلاس أمامي دائماً كي لا أفكر ولا مجرد تفكير في أن أطلب منه شيئاً من النقود . أراه هرماً في السبعين وهو لم يتعدّ الأربعين . أما أنت يا" أمير" فمتعك الله بموفور الصحة . خمسون عاماً وأراك شاباً في الثلاثين .
لكن لماذا أصر الفقر على صحبتي وهجرك يا رفيق الشباب ؟ ألسنا من طينة واحدة ؟ هل خلُقنا من ماء مهين وأنت من بيبسي كولا ؟!!
إيه .. إنها مشكلة أزلية معلّقة لاحلَ لها . منذ عشرين عاماً هاجر "أمير الكاش" . هرب فجأة إلى لبنان . لم يحمل معه سوى عوده . تزوج صبية من صبايا بيروت يسميها "ديمي" بعد أن أجاد الانجليزية . يبدو أنها كانت -على عكس زوجتي صيته- وجه السعد وفأل الخير . سافر بها إلى أمريكا واستقر هناك بعد أن كوّن ثروة عظيمة .
أنفق أمير الكاش على الفرقة بسخاء . في النهاية حصل على شريط تسجيلي قال إنه عظيم . أعده ليطبع على أسطوانات وشرائط تدر عليه ربحاً وفيراً . وكان فتى الجرادية قد جمع أفراد الفرقة من مشارق الرياض ومغاربها. حيث أبدى الجميع ترحيبهم بالعمل مع الشيخ أمير . الرجل الذي ينتظره النجاح دائماً . كان فتى الجرادية ينظر إليهم بزهوٍ وكبرياء , فهو الوحيد الذي يجلس بالقرب من الفنان العظيم , وهو الذي جلب لهم خيراً لم يكن في الحسبان . وقبل أن ينصرفوا في اليوم الأخير قبّلوا رأس الشيخ وكتفه الأيسر وتمنوا له التوفيق فأجزل لهم العطاء (وشرّهَ) كلَّ واحد منهم بأكثر مما كانوا يحلمون به . أما "فتى الجرادية" فقد أمضى بقية السهرة في فندق هوليدي إن -لأول مرة وآخر مرة في حياته- حيث كان ينزل الشيخ وزوجته , ثم قصد بيته الكائن في حي الجرادية وهو في قمة السعادة بعد أن اتفقا على كل شيء .
لم أكن قادراً على تصوّر وجودي غداً بالرياض . اليوم آخر عهدي بمدينة الغبار والقرف (الرياض) التي كرهتها , وكرهت نفسي بها . قد أعود إليها يوماً ما لو امتد بي العمر كي (أتبوّل) على ثراها ثم أرجع ثانية إلى بلد الحريّة أمريكا .
في الواحدة صباحاً أكون على باب الفندق . ينتظرني الشيخ وزوجته والحظ الباسم لأول مرة . معه كل أوراقي . نتجه (بالليموزين) إلى المطار . لقد تعهّد أمير الكاش بكل شيء . لم يشأ أن يكلفني عناء إجراءات السفر . قام نيابةً عني بكل شيء . قال لي :
- ماعليك يا صديقي إلا أن تحضر في تمام الساعة الواحدة .
الساعة الآن الثانية عشرة والنصف . غافلني الوقت . سوف ألحق به على أية حال . سددت كلّ ديوني . ما أجمل غبار الرياض وسمومها يملأ صدري من نافذة الليموزين . كم سأفتقده . وداعاً "ياالجرادية" وداعاً أيتها المساكن الشعبية التي طالما تمنيت أن تنشق الأرض لتبتلعك بمن عليك دفعة واحدة . ليكون عاليها سافلها . تركت لهم بالمنزل كل ماتبقى معي من مال فما الداعي للاحتفاظ به ؟
وبينما نحن في الطريق نسير بسرعة الضوء انفجر الإطار وتوقف الليموزين . يارب سترك الذي لايتوقف يارب العالمين . لابد أن أصل في الوقت المحدد . باقي من الزمن ثلث ساعة .. "تفكر في ليموزين آخر ؟؟ من أين ياشيخ صالح كامل ؟ . لكن لامفر . تشجع يا فتى الجرادية وخذ ليموزيناً والحساب على الشيخ أمير أمام الفندق في تمام الساعة الواحدة .
هل يعقل هذا ؟ ألهذه الدرجة يصل بك الاستغلال وقلة الذوق ؟ .. أصل راكضاً ولا أضع نفسي في هذا الموقف .. " ولكن كيف أجري من الجوازات إلى فندق( هوليدي إن ) في ثلث ساعة ؟ " . غير معقول بالطبع .
الواحدة إلا ربع . لامفر . وبسرعة أوقفت ليموزيناً كان يسير على طريق الخدمة واستقليته .
- هوليدي إن من فضلك . بسرعة أرجوك .
وصلنا قبل الموعد بدقيقتين الحمد لله .
- انتظرني هنا قليلاً لو سمحت .
ابتلع جوف الليل أمان اليوم وحلم الغد , وتقاطرت في مخيلته سنوات حياته تصفع السكون المظلم . كاد قلبه يتوقف عن الدق وقد ازداد لهاثه وجحظت عيناه كمن يتطلع إلى روحه في النزع الأخير . وبكل مايملك من إرادة طارد لحظة الأمل الأخيرة كما تطارد الحياة الموت وكما يطارد الموت الحياة . كان يريد أن يخفي هذه اللحظة في كهف عمره المقفر حتى يستأثر بها ولو لمرة واحدة . تقدم إلى الفندق .
- الشيخ أمير .. أمير الكاش .
- غادر الفندق .
كارثة . الموت أرحم . لاشيء يعوّضني عن لقاء الحظ في شمال العالم .
- إلى المطار يا "صديق" .
أيعقل أن تفعلها يا أمير وتنسى أيام كبدة الحاشي والمعصوب في "حلة العبيد" ؟
لايمكن . مستحيل . لابد أنني أهذي .
- إلى الفندق مرة أخرى من فضلك .
والعدّاد يعد .. يعد .. يعد .
-قلنا لك إنه غادر الفندق بصحبة زوجته .
- متى غادره بالضبط ؟
-حوالي الواحدة بعد الظهر .
- بعد الظهر ؟؟؟
- نعم .
- ألم يترك أوراقاً أو رسالةً لأحد ؟
- إطلاقاً .
ساذج أنت يا فتى الجرادية . وخيراً فعلت يا أمير مع صعلوك حقير .
وعاد فتى الجرادية إلى الليموزين متجمد الروح والجسد وقد تحجر كيانه في عينين لاترمشان . لم يكن قادراً على كنه مشاعره في تلك اللحظة , فلاهي بالحزن ولا هي بالفرح , وإنما شيء آخر يجهله تماماً . إحباط وخيبة أمل . قوة خفية جذبته بلاوعي إلى باب الليموزين .
فتحه بهدوء . جلس بآلية على المقعد الخلفي . لم يشعر بالزمن وقد فقد مدلوله تماماً .
قال بلهجة أسطورية :
" إلى الجرادية .. ناحية المساكن الشعبية " .
بقلم الشاعر الرجيم
عبدالعزيز الحميضي